المختبر الطبي التشخيصي، الذي يُشار إليه في بعض المراجع باسم مختبر علم الأمراض السريري، منظومة تضم أقساماً تخصصية متعددة. وفيه تُحلل العينات البيولوجية المأخوذة من جسم الإنسان وتُفحص بدقة؛ وهي عملية تشكل الأساس لما يصل إلى 70% من القرارات السريرية التي يتخذها الأطباء، سواء لتشخيص الأمراض أم لتخصيص خطة العلاج لكل مريض.
أقسام المختبر السريري
نظراً إلى التنوع الكبير في الاختبارات والخدمات التي تقدمها المختبرات السريرية، يتبع كل قسم منهجيات وإجراءات معيارية محددة تتناسب مع طبيعة العينات وخصائصها، بهدف ضمان الجودة والسلامة وإصدار نتائج موثوقة في الوقت المناسب خلال جميع المراحل.
ما الأقسام المختلفة في المختبر السريري؟
وفقاً للدكتور دانيال أغيري تشافاريا (Dr. Daniel Aguirre Chavarría)، مدير المختبر واختصاصي علم الأمراض السريري في مركز ABC الطبي، تُقسّم أقسام المختبر السريري عادةً بحسب نوع العينة أو وفق الأجهزة والمنصات المخبرية المستخدمة.
قد يختلف ترتيب الأقسام وطريقة تنظيمها قليلاً من مختبر إلى آخر، إلا أن الأقسام الآتية مشتركة في معظم المختبرات:
قسم جمع العينات (Sample Collection): المكان الذي تُجمع فيه العينة أو الخزعة المطلوبة للتحليل، وقد تشمل أنواعاً مختلفة من سوائل الجسم أو الأنسجة.
قسم ما قبل التحليل / تحضير العينة (Pre-analytical): تُفحص فيه الجودة الأولية للعينة وفق معايير القبول، ثم تُجرى خطوات التحضير مثل الطرد المركزي وفصل المصل أو البلازما وغير ذلك.
أمراض الدم والتخثر (Hematology & Coagulation): يُقاس في هذا القسم تعداد خلايا الدم الكامل (CBC) وتُدرس أشكالها. كما تُقيّم اضطرابات نضج الخلايا المرتبطة بأمراض الدم، وأزمنة التخثر مثل PT وPTT، والآليات الداخلة في اضطرابات الإرقاء.
الكيمياء السريرية وعلم السموم (Clinical Chemistry & Toxicology): يتولى هذا القسم تحديد المواد الكيميائية وقياس تراكيزها في الدم أو سوائل الجسم الأخرى، كما يكشف مستويات الأدوية العلاجية أو المواد التي يُساء استخدامها.
علم المناعة (Immunology): يُقيّم وجود الأجسام المضادة للعوامل المعدية وغير المعدية، ويقيس أداء الجهاز المناعي، ويُجري فحوص التحري عن أمراض المناعة الذاتية.
الكيمياء المناعية المتخصصة (Special Immunochemistry): يدرس أداء البروتينات والمستضدات النوعية وتفاعلاتها، وآليات الجهاز المناعي على المستوى الجزيئي.
علم الأحياء الدقيقة (Microbiology): يعزل الكائنات الحية الدقيقة، مثل البكتيريا والفطريات، ويحدد هويتها لمعرفة مصدر العدوى وعاملها بدقة، كما يجري اختبارات الحساسية للمضادات الحيوية.
علم الأحياء الجزيئي (Molecular Biology): يستخدم تقنيات جزيئية مثل PCR والتسلسل للكشف عن الكائنات الممرضة بتتبع مادتها الوراثية DNA/RNA، ويدرس المتغيرات والطفرات الجينية.
علم الوراثة الخلوية (Cytogenetics): فرع متخصص في تحليل الصبغيات، مثل النمط النووي وFISH، لتشخيص الاضطرابات الجينية الناجمة عن الطفرات أو الاختلالات البنيوية والعددية للصبغيات، بما فيها عوامل الخطورة الوراثية المرتبطة بالسرطان.
الاختبارات المخبرية المتخصصة (Special Laboratory Tests): مجموعة من الفحوص المتقدمة التي تُستخدم بحسب نوعها للتحري أو التشخيص المبكر أو دعم التشخيص، ويمكن أن تساعد على اختيار مسار العلاج. فمثلاً يُستخدم اختبار تنفس اليوريا لجرثومة الملوية البوابية للمساعدة على كشف العدوى النشطة، بينما يهدف برنامج تحري حديثي الولادة إلى التعرف المبكر إلى أمراض قابلة للعلاج لدى أطفال لا تظهر عليهم أعراض.
المختبر المرجعي (Reference Laboratory): يدير الاختبارات التي لا يمكن تنفيذها داخل المركز نفسه، وذلك بإرسال العينات إلى مختبر مرجعي متعاون يلتزم بمعايير السلامة والجودة المعتمدة نفسها.
معايير قسم جمع العينات
- التعرف الصحيح إلى المريض: يجب تأكيد هوية المريض قبل أي إجراء باستخدام مُعرّفين مستقلين على الأقل، مثل الاسم الكامل وتاريخ الميلاد. ينبغي أن يذكر المريض هذه المعلومات بنفسه، وأن تُطابق مع سوار التعريف أو وثيقة رسمية وطلب الفحص. ويجب حل أي تعارض قبل بدء جمع العينة.
- الاحتياطات القياسية ومكافحة العدوى: تُعامل العينات على أنها قد تكون معدية. تُنظف اليدان قبل ملامسة المريض وبعدها، وقبل ارتداء القفازات وبعد خلعها. ويُستخدم لكل مريض زوج جديد من القفازات غير المعقمة أحادية الاستعمال. كما يجب أن تكون أدوات الجمع، مثل المحقنة والإبرة والأنبوب، أحادية الاستعمال وأن تُتلف فوراً في حاوية الأدوات الحادة.
- تطهير موضع أخذ العينة: يُطهّر الجلد بكحول تركيزه 70% ويُترك ليجف تماماً قبل إدخال الإبرة، للحد من خطر العدوى وتلوث العينة.
- الاستعداد للتفاعلات غير المرغوبة: يجب أن يعرف جامع العينة علامات التفاعل الوعائي المبهمي، مثل الدوار والشحوب والتعرق والغثيان والقلق. عند ظهورها، يُمدد المريض أو يُخفض رأسه وذراعاه. ولا يُنصح باستخدام أملاح الأمونيا للاستنشاق لدى مرضى الربو.
- كرسي ومكان آمنان: ينبغي أن يكون كرسي سحب الدم آمناً، ذا مسند قابل للتعديل وخصائص تمنع السقوط، مع توفر المساعدة الطارئة والدعم الطبي للتفاعلات الشديدة.
- الطريقة الفنية لجمع العينة: يُختار الوريد غالباً من الأوردة المتوسطة في باطن المرفق. وتشيع الإبر بمقياس 21G أو 23G، بينما يزيد القطر الأصغر احتمال انحلال الدم. ويجب ألا تبقى العاصبة مربوطة أكثر من دقيقة، مع تجنب تكرار فتح قبضة المريض وإغلاقها.
- وسم العينة: يجب وسم الأنابيب بحضور المريض. ويحتوي الملصق على الاسم الكامل وتاريخ الميلاد والمعرّف الخاص، ثم تُؤكد الهوية مرة أخرى.
- تنظيف البيئة وتطهيرها: يجب أن تكون أسطح قسم جمع العينات ومعداته قابلة للغسل والتطهير، وأن يُطبق برنامج منتظم للنظافة وتطهير الأسطح بعد أي تلوث محتمل.
- التواصل مع المريض: على جامع العينة أن يعرّف بنفسه، ويشرح الخطوات بوضوح، ويجيب عن الأسئلة، ويحافظ على هدوء المريض وطمأنينته طوال الإجراء.
- التوثيق والإحالة: يُسجل وقت الجمع ونوع العينة وحالة المريض وأي مشكلة أو تفاعل. وعند الحاجة تُرسل العينة لإجراء اختبارات تكميلية أو إلى مختبر مرجعي.
يُعد علم الأمصال وعلم الدم من أكثر أقسام التشخيص طلباً في المختبرات؛ فما طبيعة كل منهما، وكيف تجري عملياتهما، وما الفرق بينهما؟
علم الأمصال هو مجموعة اختبارات يُترك فيها الدم ليتخثر، فتُفصل خلاياه ويبقى المصل. والمصل أكثر السوائل البيولوجية استخداماً في المختبر، ويُستعمل بوصفه وسط العينة لدراسة مكوناته الذائبة.
يركز علم الأمصال وعلم المناعة بدرجة أكبر على استجابة الجهاز المناعي. فالبحث عن أجسام مضادة نوعية في الدم يوضح استجابة الجسم للتعرض إلى عامل ممرض أو لتلقي لقاح. والأجسام المضادة بروتينات ينتجها الجهاز المناعي لمواجهة مسببات المرض مثل الفيروسات والبكتيريا.
أما اختبارات الكيمياء السريرية فتُستخدم عادةً لقياس تراكيز مواد كيميائية، مثل الشوارد والإنزيمات والهرمونات والمستقلبات، في الدم أو سوائل الجسم الأخرى. وهدفها الأساسي تقييم وظائف الأعضاء والعمليات الاستقلابية، لا قياس الاستجابة المناعية.
علم الدم هو دراسة الدم والأمراض المرتبطة به، ويساعد على كشف الأورام الخبيثة الدموية، وأنواع فقر الدم، وعيوب التخثر واضطرابات النزف. ولإجراء هذه الاختبارات تُجمع عينة دم كاملة وتُمزج فوراً بمادة مانعة للتخثر، مثل EDTA أو سترات الصوديوم، لتقييم أشكال خلايا الدم وإجراء الدراسات الكيميائية الحيوية اللازمة لكشف الاضطرابات الوظيفية في الصفائح وغيرها من السلالات الخلوية.
قسم الاستقبال هو نقطة الاتصال الأولى بين المريض والمختبر، وفيه تُنفذ الأعمال الآتية:
- تسجيل طلبات الفحوص والوصفات المخبرية ومعالجتها ومراجعتها.
- شرح التعليمات والمتطلبات والاستعدادات السابقة للفحص، مثل الصيام وتوقيت تناول الأدوية وطريقة جمع السوائل في المنزل.
- إبلاغ المريض بموعد استلام النتائج، واستكمال الإجراءات الإدارية والتأمينية قبل جمع العينة.
بعد ذلك يُوجَّه المريض إلى حجرة جمع العينات المخصصة. وقد صُممت هذه المساحات لتلائم، بحسب نوع الفحص، إجراءً واحداً أو عدة إجراءات متتابعة وتغطي احتياجات مختلفة.
