معالجة الأنسجة وتحضير العينات في مختبر علم الأمراض

يتطلب الفحص المجهري الدقيق للخلايا والأنسجة إعداد مقاطع رقيقة جداً وعالية الجودة. وبعد تثبيتها على شرائح زجاجية وصبغها، تتيح هذه المقاطع رؤية بنية الأنسجة الطبيعية والمرضية.

ولأن الأنسجة البيولوجية الطازجة رقيقة وسريعة التشوه، يحتاج قطعها إلى تثبيت كيميائي يحفظ بنيتها الداخلية، وإلى وسط داعم مناسب يسمح بإعداد المقاطع.

تُستخدم طريقتان رئيسيتان:

  • المقاطع المجمدة (Frozen Section): يُجمّد النسيج ويُقطع تحت الصفر بجهاز الكرايوستات، وتفيد الطريقة خصوصاً عند الحاجة إلى نتيجة سريعة أثناء الجراحة.
  • المقاطع البارافينية (Paraffin Section): المعيار الذهبي في علم الأمراض؛ إذ يتخلل شمع البارافين الفراغات النسيجية، ثم يبرد ليكوّن كتلة صلبة تمنح العينة المتانة اللازمة لقطع مقاطع ميكرونية.

يشرح هذا المقال بروتوكولات معالجة الأنسجة للتضمين في البارافين وتحضير العينة للقطع.

مقدمة إلى معالجة الأنسجة

معالجة الأنسجة سلسلة من الخطوات الفنية تُحضّر العينات البشرية أو الحيوانية، بعد تثبيتها، لاستبدال الماء الموجود فيها بوسط داعم. ويتخلل شمع البارافين النسيج ليجعله متماسكاً بما يكفي للقطع بالميكروتوم. وبذلك تشكل المعالجة الجسر بين النسيج الطازج القادم من الجراحة أو الخزعة وبين الكتلة البارافينية التي تنتج منها مقاطع قابلة للصبغ والتفسير.

يمكن إجراء المعالجة يدوياً بأعداد قليلة، لكن المختبرات ذات عبء العمل الكبير تعتمد أجهزة معالجة آلية لرفع الكفاءة وتوحيد النتائج. وقد تطورت هذه الأنظمة منذ أربعينيات القرن العشرين، فازدادت سلامتها وسعتها وسرعتها وتحسنت جودة المقاطع.

تنقسم الأجهزة عموماً إلى:

  1. أنظمة نقل الأنسجة (Tissue-transfer): أو الغمس والنقل، وفيها تنتقل سلال العينات بالتتابع بين أوعية المحاليل المختلفة.
  2. أنظمة نقل السوائل (Fluid-transfer): أنظمة مغلقة تبقى فيها العينات داخل حجرة ثابتة، بينما تُضخ المحاليل إليها ومنها. وتستخدم الأنظمة الحديثة الحرارة والتحريك ودورات الضغط والتفريغ لتسريع النفاذ وتحسين الجودة.

جهاز حديث لمعالجة الأنسجة بنظام مغلق.

تظل أجهزة الغمس والنقل خياراً مناسباً للمختبرات الصغيرة.

جودة المعالجة هي حلقة الوصل بين علم الأنسجة وعلم الأمراض. فإذا كان التثبيت أو نزع الماء أو التصفية أو تشريب الشمع ناقصاً، فقد تشوّه المصنوعات الشكل النسيجي وتؤدي إلى تشخيص خاطئ أو تأخير العلاج.

الأهمية الاستراتيجية لمعالجة الأنسجة

تُعد المعالجة من أكثر مراحل مختبر علم الأمراض حساسية، لأن اختيار برنامج غير مناسب أو سوء توقيت الخطوات أو إدارة الكواشف بطريقة خاطئة قد يجعل العينة غير قابلة للقطع ويفقدها معلوماتها الشكلية. ويزداد الخطر عندما تدخل العينة البشرية كاملة في الدورة ولا توجد عينة احتياطية.

ورغم احتمال الأعطال الميكانيكية أو الإلكترونية، تشير الخبرة المخبرية إلى أن نسبة كبيرة من الأضرار تنجم عن أخطاء التشغيل. لذلك تُعد البروتوكولات الدقيقة والتدريب المستمر وفحص الأنظمة قبل كل دورة ركائز أساسية لضمان الجودة.

مراحل معالجة الأنسجة للمقاطع البارافينية

1. استلام العينة وتحضيرها

الأنسجة شديدة الحساسية للتغيرات التنكسية بين الاستئصال والتثبيت. لذلك ينبغي بدء التثبيت بأسرع ما يمكن، ويفضل في موضع أخذ العينة. وإذا تعذر ذلك، يجب الحفاظ على سلسلة نقل آمنة وغمر العينة في المثبت فور وصولها إلى المختبر لمنع التحلل الذاتي والتغيرات الشكلية.

2. التثبيت (Fixation)

التثبيت أهم خطوة في التحضير. تُغمر العينة في مثبت مثل الفورمالين المتعادل المنظَّم (NBF)، الذي ينفذ إلى الأنسجة ويُنشئ روابط عرضية بين البروتينات، فيحافظ على بنيتها ويقاوم تأثير نزع الماء والمذيبات.

ينبغي أن يحفظ المثبت شكل الخلايا وتفاعلية النسيج للصبغات والكيمياء النسيجية المناعية. ويُعد NBF المعيار الذهبي للعينات البارافينية. تمر العملية بالانتشار ثم الاتزان الكيميائي، وتستغرق عادةً من 6 إلى 24 ساعة. وبعدها يختار اختصاصي علم الأمراض المناطق المهمة أثناء الفحص العياني، وتوضع القطع في كاسيتات شبكية تسمح بحرية مرور المذيبات والشمع.

3. نزع الماء (Dehydration)

لأن البارافين كاره للماء وغير ممتزج به، يجب إزالة الماء قبل التشريب. ويجري ذلك بغمر العينة في سلسلة متدرجة من الإيثانول، مما يستبدل الماء تدريجياً ويحد من الانكماش والتلف.

الكاشفالزمن بالدقائق
إيثانول 70%15
إيثانول 90%15
إيثانول 100%15
إيثانول 100%15
إيثانول 100%30
إيثانول 100%45

في نهاية الدورة يكون معظم الماء الحر قد استُبدل بالكحول، فلا يبقى إلا مقدار ضئيل شديد الارتباط.

4. التصفية أو الإشفاف (Clearing)

لا يمتزج الإيثانول بالبارافين، لذا يُستخدم مذيب وسيط يمتزج بكليهما. وتسمى الخطوة بالتصفية لأن الكواشف ذات معامل الانكسار المرتفع تجعل النسيج شبه شفاف، كما تزيل الدهون التي تعيق نفاذ الشمع. ويُعد الزيلين الكاشف التقليدي الأشهر.

الكاشفالزمن بالدقائق
زيلين20
زيلين20
زيلين45

5. تشريب الشمع (Infiltration / Impregnation)

بعد إزالة الزيلين يتشرب النسيج وسطاً داعماً. ويظل شمع البارافين المعيار الذهبي؛ فهو سائل عند نحو 60 درجة مئوية، ويتصلب عند نحو 20 درجة ليمنح دعماً مناسباً للقطع. وقد تضاف بوليمرات مثل الستايرين أو البولي إيثيلين لتحسين المرونة والثبات.

  • القطع الدقيق: إعداد مقاطع حتى سماكة 2 ميكرومتر دون تمزق.
  • تكوين الشريط: التصاق حواف المقاطع لتكوين شريط متصل.
  • الثبات: انبساط المقاطع في حمام الماء الدافئ من دون تجعد.
الكاشفالزمن بالدقائق
بارافين 130
بارافين 230
بارافين 345

6. التضمين وتكوين الكتلة

يوضع النسيج بعد التشريب في قالب يحتوي بارافيناً منصهراً. ويُعد اتجاه العينة أهم جزء لأنه يحدد مستوى القطع ويؤثر مباشرةً في التفسير. يوضع الكاسيت فوق القالب ويضاف الشمع، ثم تبرد الكتلة على صفيحة باردة. وتكون الكتل الجيدة ثابتة ومناسبة للحفظ طويل الأمد.

التضمين

يُثبّت النسيج في وسط صلب ليصبح قابلاً للقطع بالميكروتوم.

المعالجة الخالية من الزيلين

بسبب سمية الزيلين، تستخدم مختبرات حديثة مذيبات أقل سمية مثل الأيزوبروبانول. ويجب ضبط الحرارة بحيث يخرج المذيب تماماً أثناء تشريب الشمع، لأن بقاءه يضعف الكتلة ويقلل جودة القطع.

تكون الأنسجة المتجانسة والرخوة، مثل الكلية، أسهل قطعاً من الأنسجة الكثيفة الليفية. وفي الأنسجة غير المتجانسة قد تختلف درجة انكماش المكونات، فلا يوفر الشمع دعماً كافياً لكل الأجزاء. لذلك ينبغي اختيار البرنامج وفق طبيعة العينة.

يصحب التثبيت والمعالجة انكماش قد يبلغ 20% أو أكثر من الحجم الأصلي، لكن البروتوكول الصحيح يحافظ على التفاصيل الشكلية اللازمة للتشخيص.

دليل التحسين واستكشاف الأخطاء

اختيار برنامج مناسب

✓ يجب أن يتوافق البرنامج مع نوع العينة وحجمها. ✗ البرنامج الطويل جداً لخزعة صغيرة يجعلها هشة ومشققة، بينما لا يكفي البرنامج القصير لنسيج كبير دهني، فيؤدي إلى تشريبه جزئياً وتفتته.

يوضح المقطع نسيجاً ليفياً دهنياً ناقص المعالجة، مع تفتت وفقدان وضوح النوى بسبب بقاء المذيب. صبغة H&E.

خزعة تنظيرية مفرطة المعالجة أصبحت هشة وظهرت فيها شقوق دقيقة، وفاقمتها تقنية قطع غير مناسبة. صبغة H&E.

إكمال التثبيت

✓ يجب تثبيت النسيج كاملاً قبل المعالجة، مع إضافة تثبيت بالفورمالين إلى البرنامج عند الحاجة. ✗ دخول عينة ناقصة التثبيت إلى الكحول يسبب «التثبيت النطاقي»، حيث يثبت الفورمالين الخارج ويثبت الكحول العمق، فتختلف قابلية الصبغ وتضعف التفاصيل النووية.

يوضح المقطع آثار التثبيت النطاقي في رشف نخاع العظم: كريات حمراء سليمة في منطقة ومتحللة في أخرى.

مقطع كبد بصبغة ثلاثية يظهر اختلافاً واضحاً بين المنطقة المحيطية والمركزية بسبب تفاوت التثبيت.

المحافظة على جودة الكواشف

✓ تُستبدل الكواشف وفق التعليمات، ويفضل استخدام نظام إدارة كواشف آلي مثل Leica PELORIS. ✗ يؤدي تجاهل حدود الاستبدال إلى كواشف ملوثة أو مخففة وغير فعالة وانخفاض دقة التشخيص.

نسيج جلدي كبير لم يُحفظ فيه الكولاجين الكثيف بسبب استخدام كواشف شديدة التلوث وخارج الحدود المقبولة.

استخدام شمع عالي الجودة

✓ ينبغي استخدام شمع جيد للتشريب والتضمين كي تكون الكتل متجانسة وسهلة القطع. ✗ ينتج الشمع الرخيص كتلاً صعبة القطع ومقاطع منخفضة الجودة.

تُظهر المقاطع انضغاطاً واضحاً رغم القطع في درجة حرارة منخفضة، لأن الشمع الرديء لم يدعم النسيج.

تجنب الكواشف الخطرة

✓ استخدم بروتوكولات خالية من الزيلين متى أمكن لتحسين سلامة المختبر مع الحفاظ على الجودة. ✗ لا تتجاهل مخاطره الصحية أو بدائله الأكثر أماناً.

تحافظ المعالجة الخالية من الزيلين على جودة النسيج وتزيد سلامة بيئة المختبر.

التوجيه الدقيق للعينة

✓ وجّه العينة وفق تشريحها حتى يواجه سطح القطع المطلوب شفرة الميكروتوم، ووفر لفني التضمين وصفاً كاملاً وتدريباً مناسباً. ✗ قد يسبب الاتجاه الخاطئ فقد جزء من النسيج عند إعادة التضمين، أو الحاجة إلى تشذيب واسع، أو غياب البنى المهمة عن المقطع.

خزعة تنظيرية وُجهت خطأ، فلم يظهر إلا السطح العلوي للمخاطية وغابت المناطق العميقة.

اختيار القالب المناسب

✓ اختر قالباً يتناسب مع حجم النسيج وشكله، مع ترك مسافة عن الجدران وتوزيع الشمع حوله بالتساوي. ✗ استخدام حجم واحد لكل العينات قد يجعل النسيج يلامس الحواف، فيصعب القطع وتبقى الهوامش ناقصة.

القالب صغير جداً والعينة تلامس حافة الكتلة، مما يصعّب القطع.

مثال آخر على قالب غير مناسب يضع النسيج قريباً جداً من الحواف.

مناولة العينات بلطف

✓ حرّك العينات برفق وثبتها من دون تشويه، ولا سيما الأنسجة الرقيقة وغير المتجانسة. ✗ الضغط الزائد لتسوية العينة قد يسبب الكسر والسحق وانفصال المكونات ويعوق التفسير.

مقطع طحال بصبغة H&E تعرض للكسر أثناء محاولة تسويته في قاع القالب.

تجنب الحرارة المفرطة

✓ سخّن الملقط بقدر يكفي لإذابة الشمع بلطف. ✗ تسخينه فوق نقطة الانصهار بكثير يسبب أذية حرارية موضعية وتغيراً دائماً في شكل الخلايا.

مقطع كبد بصبغة H&E تضرر بشدة من الحرارة المباشرة أثناء التضمين حتى صار موضع الضرر شبه غير قابل للتعرف.

فحص الحرارة بانتظام

✓ راقب حرارة الصفيحة الساخنة وخزان الشمع بدقة لتجنب التقلبات والأذى الخفي. ✗ إهمال الفحص قد يعرض العينات لحرارة موضعية زائدة حتى في المراحل الأخيرة.

عقدة لمفاوية تضررت من ارتفاع حرارة الصفيحة؛ تظهر نوى منكمشة وشقوق واسعة. وقد تظهر شقوق مماثلة مع حمام ماء شديد الحرارة أو التجفيف الزائد.

عدم ملء القوالب أكثر من اللازم

✓ املأ القالب إلى المستوى المناسب من دون فيضان الشمع، لتحصل على كتلة ثابتة سهلة القطع. ✗ يفرض الإفراط في الملء كشط ظهر الكاسيت وحوافه، وقد يجعل الكتلة غير مستقرة في حامل الميكروتوم ويؤذي النسيج.

تحديد الأولوية عند تسليم العينات مهم، ولا سيما عند وجود مقاطع مجمدة تتطلب معالجة عاجلة.

المصدر: Leica Biosystems الكاتب والمترجم إلى الفارسية: محمد صادق محمودي لرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *