علم الأنسجة وتقنيات الصبغ

مقدمة

علم الأنسجة الطبي هو دراسة الأنسجة والأعضاء بالمجهر، بعد تقطيعها وصبغها وفحص المقاطع. ويُعرف أيضاً بالتشريح المجهري والكيمياء النسيجية، ويتيح رؤية بنية النسيج والتغيرات التي طرأت عليه. لذلك يُستخدم على نطاق واسع في التشخيص الطبي والدراسات العلمية وتشريح الجثث والطب الشرعي.

بعد تثبيت العينة وتحضيرها وتضمينها وتقطيعها وصبغها، يمكن تحليلها بالمجهر وتفسير النتائج بواسطة اختصاصي علم الأمراض. ويعتمد اختيار الصبغة على السؤال البحثي، وقد يكون لتفسير الشريحة مع التاريخ الطبي للمريض أثر بالغ في العلاج والإنذار.

قضايا مهمة

المعرفة الأساسية بتحضير الأنسجة وصبغها ضرورية عند تفسير تقارير الخزعات في المرضى المنومين أو المراجعين. فقد لا تكون العينة قد فُحصت دائماً بكل الصبغات الملائمة، وقد يؤخر هذا النقص الوصول إلى تشخيص دقيق.

البنية

يمكن صبغ الأنواع الأربعة الرئيسية من أنسجة الإنسان وفحصها بتقنيات متعددة: النسيج الطلائي والضام والعضلي والعصبي. ورغم وجود خصائص مشتركة بينها، تبدو مختلفة بوضوح بعد الصبغ. تُستخدم كل صبغة لإبراز مكوّن محدد؛ فالهيماتوكسيلين صبغة قاعدية تجعل الأحماض النووية مثل DNA وRNA زرقاء، بينما يصبغ الإيوزين البروتينات بالوردي. وغالباً ما يُستخدمان معاً لإظهار العضيات والبروتينات داخل الخلايا.

صُممت صبغات خاصة لإبراز بروتين بعينه. وتمتاز بإظهار الهدف بوضوح، لكنها قد تحجب البنى الأخرى، ولذلك تُحضّر عدة شرائح من العينة نفسها وتُستخدم صبغات مختلفة للحصول على المعلومات المطلوبة كاملة.

الوظيفة

تُجرى معظم صبغات الأنسجة على عينات أُزيلت من الجسم. وفي حالات نادرة يمكن استخدام صبغات متخصصة تُسمى «الأصبغة الحيوية» على نسيج ما زال داخل الجسم، للتعرف إلى أنواع أنسجة محددة أو تحديد المناطق غير الطبيعية كي تكون الخزعة اللاحقة أكثر دقة.

تحضير الأنسجة

قبل الصبغ الخاص، تمر العينات بمراحل التثبيت والمعالجة والتضمين والتقطيع، وأحياناً استرجاع المستضد. وتُنفذ معظم هذه الخطوات آلياً في المختبرات الحديثة.

التثبيت (Fixation): تستخدم مواد كيميائية للحفاظ على شكل النسيج الطبيعي وحمايته من التحلل عبر تشابك البروتينات بصورة غير عكوسة. ويُعد الفورمالين المتعادل المنظَّم خياراً شائعاً. كما أن البارافين-فورمالين مناسب للكيمياء النسيجية المناعية، لكنه يحتاج إلى تحضير وقت التثبيت. ويُستخدم مثبت بوين لأنسجة الأجنة والدماغ بفضل حفاظه على النوى الدقيقة والغليكوجين، لكنه لا يحفظ أنسجة الكلية جيداً وقد يشوه الميتوكوندريا.

نزع الماء (Dehydration): يزيل الإيثانول الماء من العينة ويزيد صلابتها للفحص بالمجهر الضوئي. وبعد اكتمال نزع الماء يُستخدم الزيلين لإزالة الإيثانول.

التضمين (Embedding): توضع العينة في شمع البارافين أو راتنج بلاستيكي لدعم بنيتها. ويجب توخي الحذر عند التخطيط للكيمياء النسيجية المناعية، لأن البارافين قد يعيق دخول الأجسام المضادة إذا لم يُعالج بصورة صحيحة.

التقطيع (Sectioning): تُثبت العينة على الميكروتوم وتُقطع إلى مقاطع رقيقة، وغالباً بسماكة 4 إلى 5 ميكرومترات، ثم تُصبغ وتوضع على شريحة مجهرية.

استرجاع المستضد (Antigen Retrieval): يهدف إلى كشف المستضدات التي أخفاها التثبيت والتضمين. وتُستخدم الحرارة أو الإنزيمات المحللة للبروتين لفك الروابط المتقاطعة وإظهار الحواتم. ورغم خطر إتلاف المثبت أو المستضد، فإن نجاح الخطوة يحسن الصبغ المناعي كثيراً.

الكيمياء النسيجية والكيمياء الخلوية

الهيماتوكسيلين والإيوزين (H&E)

تتضمن الطريقة صبغتين متتاليتين. الهيماتوكسيلين صبغة قاعدية تلون البنى الحمضية بدرجات الأزرق والبنفسجي؛ وتشمل البنى المحبة للقاعدية DNA في النواة وRNA في الريبوسومات والشبكة الإندوبلازمية الخشنة. أما الإيوزين فصبغة حمضية مضادة تلون البنى القاعدية بالوردي والأحمر، ومن أمثلتها السيتوبلازم.

صبغة غرام (Gram Stain)

تقنية متتابعة لتمييز أنواع البكتيريا عبر صبغ جدار الخلية. وبعد تثبيت العينة حرارياً تُجرى أربع خطوات: البنفسجي البلوري، ويود غرام، وإزالة اللون بالكحول أو الأسيتون، ثم الصبغ المضاد بالسافرانين. تحتفظ البكتيريا موجبة غرام باللون البنفسجي بسبب طبقة الببتيدوغليكان السميكة، بينما تفقده البكتيريا سالبة غرام ذات الطبقة الرقيقة والدهون الأكثر وتظهر وردية.

صبغة غيمزا (Giemsa Stain)

تُستخدم كثيراً في علم الدم لقدرتها على صبغ نخاع العظم والخلايا البلازمية والخلايا البدينة، كما تكشف طفيليات الدم. وتساعد أشرطة غيمزا أيضاً على رؤية الشذوذات الصبغية بإظهار مناطق فاتحة وداكنة متعاقبة على الصبغيات أثناء الانقسام.

تفاعل حمض البيريوديك–شيف (PAS)

يكشف البنى الغنية بالكربوهيدرات، مثل الحافة الفرشاتية في الأمعاء وخلايا النبيبات الكلوية والمخاط والألياف الشبكية. يظهر الغليكوجين والبروتينات السكرية والدهون السكرية والميوسين بلون أحمر أرجواني. يؤكسد حمض البيريوديك مجموعات الهيدروكسيل المتجاورة لتكوين ألدهيدات، ثم يرتبط بها كاشف شيف.

ثلاثي الألوان لماسون (Masson’s Trichrome)

ينتج ألواناً متعددة ويتميز بصبغ ألياف الكولاجين بالأزرق. ويفيد في كشف تليف القلب والرئة والمرض الكلوي المزمن والحثل العضلي.

أحمر الكونغو (Congo Red)

يرتبط بألياف الأميلويد ويصبغها بالأحمر والبرتقالي، ولذلك يفيد في دراسة الداء النشواني. وتظهر الأنسجة الغنية بالأميلويد تحت الضوء المستقطب بانكسار مزدوج أخضر تفاحي مميز.

أزرق بروسيا (Prussian Blue)

يكشف ترسبات الحديد. يتفاعل الحديد الثلاثي بعد معالجة النسيج بحمض الهيدروكلوريك ليكوّن صباغاً أزرق غير ذائب. وتفيد الطريقة في تشخيص تراكم الحديد في داء ترسب الأصبغة الدموية أو الهيموسيديروز، كما قد تشير زيادة الحديد في نخاع العظم إلى تكون كريات حمراء غير فعال، بينما قد يدل غياب التفاعل على نقص الحديد.

الميوسيكارمين (Mucicarmine)

يصبغ الميوسين، وهو إفراز تنتجه الخلايا الطلائية والأنسجة الضامة، باللون الأحمر. ويفيد في كشف السرطانات أو الالتهابات المصحوبة بزيادة الميوسين، وتحديد المنشأ الأولي لورم ذي ظهارة مفرزة للمخاط، كما يصبغ المحفظة الهلامية لفطر المستخفية.

سودان الأسود (Sudan Black)

يصبغ البنى الدهنية، مثل ثلاثي الغليسريد والبروتينات الشحمية، بالأسود أو البني الداكن. ولا تُنزع الدهون بالكحول أثناء التحضير. ويمكن استخدامه لإظهار اللويحات العصيدية وبعض أمراض المادة البيضاء.

أحمر الزيت O (Oil Red O)

من أكثر الصبغات استخداماً للدهون الكارهة للماء، ويفيد في إظهار اللويحات العصيدية وتراكم الدهون في الكبد والعضلات.

صبغات الفضة (Silver Stain)

مجموعة من الطرق، منها Bielschowsky وGallyas وBodian وCampbell-Switzer، تُستخدم لدراسة أمراض التراكم في الدماغ والأعصاب. ترتبط أيونات الفضة أو أملاحها بالأنسجة ثم تُختزل في موضعها فتتجمع جسيمات قابلة للرؤية. ويختلف اللون بحسب حجم الجسيمات؛ فقد تبدو الصغيرة صفراء بينما تعطي الجسيمات الأكبر لوناً أسود.

تشتهر صبغات الفضة بإظهار بروتين بيتا أميلويد في داء ألزهايمر وأجسام بيك في داء بيك. تصبح اللويحات أغمق وقد يتراوح لونها بين الأصفر والأسود بحسب حجمها وكميتها.

صبغة نيسل (Nissl Stain)

تُعرف أيضاً ببنفسجي الكريزيل، وتستخدم صبغة أنيلينية قاعدية لدراسة الخلايا العصبية في الدماغ والنخاع الشوكي. تبدو المادة العصبية بنفسجية مزرقة وحبيبية، بينما تجذب مادة نيسل الغنية بـRNA الريبوسومي الصبغة فتظهر زرقاء داكنة. وتمتاز بإبراز سيتوبلازم العصبونات من دون صبغ أجسام خلايا بنى أخرى مثل الخلايا النجمية بالطريقة نفسها.

صبغة بابانيكولاو (Papanicolaou Stain)

تقنية خلوية تقوم عليها مسحة عنق الرحم وتشتهر بالكشف عن سرطان عنق الرحم. تُجمع الخلايا من المسحات النسائية والبلغم والفرشاة والرشف بالإبرة الدقيقة والغسالات. تضم الطريقة الهيماتوكسيلين للنوى، وOrange G للكيراتين، والإيوزين للبنى السطحية، وLight Green SF للسيتوبلازم، وBismarck Brown. وقد تُحضّر شريحة ثانية لصبغ واسم p16INK4a مناعياً لكشف خلل التنسج.

المجهر الضوئي

يمكن استخدام المجهر الضوئي للعينات الحية أو الميتة، ويصل تكبيره عادةً إلى نحو 1500 مرة. يعتمد على الضوء بدلاً من حزمة الإلكترونات، ويُستخدم لمعظم الصبغات المذكورة، مثل غرام وH&E وغيمزا.

المجهر الإلكتروني

يفيد في رؤية المكونات داخل الخلية التي لا تظهر بالمجهر الضوئي، وقد يمنح تكبيراً يفوق أعلى تكبير ضوئي بنحو 100 إلى 300 مرة. يجب أن تكون المقاطع شديدة الرقة ليسمح بمرور الإلكترونات. وتستخدم صبغات تحتوي أملاح معادن ثقيلة لتوفير التباين. يناسب المجهر الإلكتروني النافذ (TEM) البنى داخل الخلايا، بينما يناسب المجهر الإلكتروني الماسح (SEM) الأسطح.

الفيزيولوجيا المرضية

لا تكشف الصبغات الخاصة التغيرات البنيوية فحسب، بل قد تدل على تغيرات وظيفية مهمة للتشخيص، مثل التراكم غير الطبيعي للحديد أو البروتين في الداء النشواني واضطرابات البروتينات، أو الغليكوجين والكربوهيدرات الأخرى، أو الدهون. ويمكن لصبغات أكثر تخصصاً كشف تغيرات كثيرة أخرى في فيزيولوجيا الخلية.

الأهمية السريرية

يحظى صبغ الأنسجة وفحصها بأهمية كبيرة في التشخيص والعلاج في معظم التخصصات الطبية. ويُعد الفحص النسيجي المعيار الذهبي لتشخيص أمراض كثيرة، والصبغ جزءاً أساسياً منه. ويتيح التحليل الكيميائي النسيجي لاختصاصي علم الأمراض تشخيص المرض وتحديد شدته وتقدير إنذاره.

المصدر: NCBI — المترجم إلى الفارسية: محمد صادق محمودي لرد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *